أثارت «المعرفة»، بما كتبته عن (لقاء جازان التربوي) قبل بضعة أعداد، في نفسي، مشاعر الحنين إلى تلك المنطقة، من جنوب المملكة العربية السعودية.
عملت، فيها معلمًا، ما يقارب عشر سنوات، في الفترة من 1383 ـ 1392هـ. وجازان كانت في ذلك الوقت تشهد معدل دوران عاليًا للمعلمين في كل عام، أكثر من غيرها من مناطق المملكة؛ لأن حرارة الصيف بها عالية، وغبارها الريفي كثيف ونشط. ومع كل ذلك فإني عشقتها!
والمملكة العربية السعودية بلاد واسعة.. بها الواحات، والصحاري، والأودية والسواحل البحرية.. والجبال ذات الغطاء النباتي الأخضر الجميل الذي يشبه جبال لبنان.. فالمناطق التي تمتد من جنوب الطائف إلى أبها ونجران من أجمل مناطق العالم، ويمكنك أن ترى الغيوم تسبح في الفضاء أسفل مستوى النظر.. وأن تستمتع بأمطار الصيف.. وأن تخيم تحت الأشجار السامقة.. وتستمتع بصيف هادئ جميل.
انتقلت من جازان كمعلم مرتين.. الأولى إلى منطقة بيشة التعليمية ومكثت هناك عامًا دراسيًا.. ثم عدت إلى جازان.. وإلى (قريتي) التي عملت بها. ثم برغبتي انتقلت إلى منطقة الطائف التعليمية.. وقد مكثت بها شهرًا قبل أن أعرف مكان عملي.. وشاهدت في أسواقها: الرمان والعنب والتين والصَّبر (التين الشوكي)، وكلها من الثمار التي أعرفها. وشاهدت أمطار الصيف.. ونعمنا بالجو الذي لا تحتاج فيه إلى مروحة أو مكيف!
وعينت في الطائف، في مكان يبعد عن المدينة 200 كلم جنوبًا، كانت قرية نائية وبعيدة في ذلك الوقت. وعندما سألت معلمًا سابقًا في تلك المدرسة، قال لي: خذ أغراضك من هنا كلها، حتى (كاز) التدفئة.. وعليك أن تعجن.. وتخبز طعامك.. فطار عقلي!!
وعزمت على أن أعود إلى جازان، وقد كان يستغرب أمري كل من أحدثه في ذلك.. ويرى فيه عجبًا عجابًا وحالة فردية إذ لم يصادفوا معلمًا واحدًا غيري يريد العودة إلى جازان، بعد أن يخرج منها!…
وسرعان ما ركبت السيارة إلى الرياض.. إلى وزارة المعارف.. وهي التي تملك الأمر في ذلك. وقد أغراني بذلك.. أني قبضت (بدل السكن) وكان حينذاك تسع مائة وسبعة وستين ريالاً وبضعة قروش!
كانت رحلة مرهقة، زادت على ألف كيلومتر.. لم أعهد السفر بالبر.. بمثل هذه المسافة التي خلت، في لحظات، أنها لن تنقضي! في الصباح الباكر.. ذهبت أنا وزميل لي يرافقني إلى وزارة المعارف ولم نجد أحدًا قد داوم في مكتبه.. لأن الوقت كان مبكرًا..
نكص صاحبي.. فقد رجع عن رغبته في العودة.. لكني صممت.. وكتبت معروضي. وقابلت مدير التعليم الابتدائي، وكان هو الأستاذ محمد صالح العميل.. أحسن الله إليه على أي حال هو الآن.
كتبت في معروضي، منذ ما يزيد على 35 عامًا: وأنا معلم، نقلت من جازان إلى الطائف، وقد عشت حياتي السابقة في منطقة أريحا من غور الأردن. وهي مدينة جوها حار، ولم أعرف فيها البرد أبدًا وتلك حقيقة.. فمدينة أريحا تجاور البحر الميت.. وهي أخفض بقعة في العالم.
رفع عينيه عن المعروض، وعلى شفتيه ابتسامة، وقال: أنت معلم وتجهل أن الطائف باردة، لا، الحقيقة هي أنك لم تجد المكان الذي يلائمك فآثرت العودة إلى جازان. قلت له: نعم، صدقت، هو ذاك! فما كان منه إلا أن أشر لي بالموافقة!
ذهبت إلى مدير مكتبه، فحرر النقل إلى جازان، وكتبت على نفسي تعهدًا، بأن لا أطلب نقلاً إلا بعد انقضاء المدة القانونية!
عدت إلى جازان، ورفضت تعييني في مدرسة في المدينة نفسها، حاضرة المنطقة.. وعدت إلى البلدة (،،،،،،،،،،،،) التي نقلت منها، مدرسًا لمادتي التي أحببتها: الرياضيات.
كنا نركب الحمير في رحلاتنا الطويلة.. ونتم باقي الطريق بالسيارة.. لكن السنوات الأخيرة شهدت وصول (الجيب) التويوتا إلى القرية.. وسعدنا بركوبه.. وكنت وزميل لي (يرحمه الله) عاشق الكرة، المسموح لنا باصطحاب التلاميذ في الرحلات، عند نهاية الأسبوع إلى واد جار بالماء العذب يدعى (قِصِي)، نمارس السباحة، ونتعرف على البيئة الصخرية، والغطاء النباتي.. الذي لا نجده حولنا.. ونتناول طعامًا نعده بأنفسنا ونمارس لعبة كرة القدم، وقد كنت لا أجيدها.. فتتعالى ضحكات التلاميذ عندما أردها بيدي.. وأصر على أن ذلك ليس بخطأ (هاندبول)!
كان في القرية نظام خدمة يكفينا صنع خبزنا وغسل ملابسنا.. وكنا نجد في البلدة لحمًا وخضارًا.. وسوقًا نشتري منه حاجاتنا.. ثم صار بها ثلاجة تعمل بالكيروسين، فشربنا البيبسي الذي كان يعتبر حينها ترفًا كبيرًا.. فقد كان ثمنها حينذاك (ثلاثة أرباع الريال).. وهو مبلغ كبير على زجاجة بيبسي صغيرة!
أحببت في الناس بساطتهم ورضاهم، وقناعتهم، وتقديرهم الشديد للعلم والمعلمين.. واستتباب الأمن إلى درجة مدهشة.. بيئة لا تعرف الجريمة.
أعجبتني اللهجة المحلية.. فأتقنتها إتقانًا شديدًا.. ولم أنس منها إلا القليل.. ومن ذلك القاموس.. الكلمات التالية:
أمريس: الحلاق.
أمجرّار: صانع جرار الفخار.
أمميغة: تنور أرضي لصنع الخبز.
أمجغرة: إناء فخاري لحفظ (المحشوش).
أمحشوش: قطع اللحم الصغيرة والدهن إذا طبخت معًا.
أمَبرَّاج: الرجل يُخرج الماء من البئر ويملأ به الجرار.
أمزفة: زوج من الجرار ذات الفم الصغير.
أموظاين: زوج من النعال تصنع من ورق سعف النخيل.
أمقرعينه: خشبة توضع أعلى العشة لتمسك الحبال الضامة لجسمها الأعلى.
لقد كان لإتقاني اللهجة المحلية، ومعرفة خبايا المعاني في الألفاظ، أن أحد المعلمين، قد وصفني بكلمة.. كان يناديني بها.. وكنت أحيانًا أجيبه، إلى أن نبهني أحدهم إلى معنى تلك الكلمة.. فعرفت عندئذ أنه كان يسخر مني.. فعقدت العزم على أن أتقنها وأتحدث بها لآمن كما يقول الأثر…!
لقيني مرة في السوق رجل تبدو عليه الوسامة، ونظافة الثوب.. وكان أيضًا مكويًا.. والغترة البيضاء أيضًا.. ولم أعهد ذلك في القرية، وقال لي: أأنت (….)، فقلت له باندفاع: (يوه). وهي تعني (نعم) فضحك ضحكة واسعة.. وقال يا أخي: أنت معلم حدثني بالعربية! فقلت له: ألست من أهل القرية فتعرف لهجتهم؟ قال: بلى.. فقد حدثوني عنك.. وعندما قذفت في سمعي إجابتك (يوه) أيقنت صدق ما قيل؟
كان الرجل يعمل في وزارة الصحة في الرياض.. وكان قارئًا ومثقفًا.. اصطحبني إلى منزله وأكرمني.. وأعارني عددًا من كتبه.. واتصل الود بيننا.
عندما نزلنا أول مرة في مطار جازان.. كان ترابيًا.. معدًا لطائرة مروحية هي طائرة الكونفير.. ولكنني عندما غادرت جازان صار يستقبل طائرات البوينغ النفاثة التي تستطيع أن تذهب من هناك إلى أي مكان في العالم.. وصارت (مدرستي) حديثة من الأسمنت المسلح، وكانت الطرق المعبدة تصل إلى 400 كلم.. وبعد ذلك بسنوات قليلة حدث التغير الذي طال مناحي الحياة كلها.. فأصبحت المملكة كلها.. ورشة عمل وتغير وجه الحياة.
ما زال في نفسي حنين إلى تلك المرابع.. وأُمنيتي أن أزور جازان لأرى كيف تغيرت.. وكيف صارت القرى التي عملت فيها.. أو زرت زملائي بها.. وأكتب عنها..!
فهل تتحقق الأمنية؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بقلم الأستاذ / مصطفى محمد ياسين
الأردن


حياك يااستاذ مصطفى فاجازان قد تغيرت كثير ونتشرف بازيارتك لها انشاء الله.
حياك في ربوع جازان