عدت بذاكرتي إلى 40 سنة أو تزيد، وأنا أقرأ آخر أخبار المدينة الاقتصادية في جازان في الصحف الصادرة يوم السبت 4/4/1428هـ ومفاده: “إن معالي محافظ هيئة الاستثمار الأستاذ عمرو الدباغ قد وقع عقداً مع شركة “وسترن.وي” الصينية للتنمية الصناعية المحدودة ( W.W.I.D.C) لاستثمار 15 مليون ريال لتطوير مجمع متكامل للألمونيوم في مدينة جازان الاقتصادية، وكذلك توقيعه اتفاقية تشغيل المجمع مع عدد من الشركات الصينية”.
والمعروف أن المدينة سوف تستقطب أكثر من 100 مليار ريال من الاستثمارات الصناعية والتجارية والسكنية.
هذا الواقع المستقبلي الجديد، جعلني أتذكر جازان المنطقة المعطاء، والثغر البحري المفتوح على أكثر من دولة. عندما كنت أرى مئات الآلاف من أكياس “الحب” تملأ ساحات الميناء بانتظار شحنها وإرسالها إلى عدن، والحديدة، وجيبوتي، والهند، وبورت سودان، ومصر، وسواها.. كواحدة من مناطق التصدير الرئيسية للقمح السعودي إلى تلك الدول.
ليس القمح فقط، وإنما (الفواكه) بأنواعها المختلفة، وزيت السمسم الذي كانت تنتجه (معاصر) بدائية بكميات ضخمة، وعشرات (الهواري) الأفلاك البحرية التي كان يصنعها “يدوياً” عمال جازانيون مهرة، ويصدرونها إلى الخارج، بالإضافة إلى آلاف الأطنان من الأسماك المتنوعة، والطيور البرية والبحرية الجميلة، وعشرات الآلاف من الأغنام البلدية الممتلئة بالصحة والعافية، والمولودة في الأرض الخضراء المغمورة بسيول عظيمة لا تزيد التربة إلا رواءً، وعطاءً، وخيراً عميماً.
كل هذا كنت أراه، كغيري، وأرى معه الخير يتدفق إلى كل مكان، من أرض الخير والعطاء اللامتناهي.
فالتربة غنية إلى درجة كبيرة، والمزارع تملأ أرجاء المنطقة، فلا تأتي العين بها إلا على أرض خضراء على مدى آلاف الأفدنة والكيلومترات، حيث نجد بها كل أنواع الخضار والفواكه، وبكميات هائلة، تفوق قدرة ملاكها، وطاقة السوق المحلية على الاستيعاب، وتفيض حتى عن حاجات الأسواق الخارجية المستوردة منها، في الوقت الذي حرمت فيه الأسواق المحلية من هذا الإنتاج بفعل انعدام التسويق، وغياب الطرق المؤدية من وإلى المنطقة، وعدم اهتمام التجار المحليين بالمنتج المحلي، كجزء من طبيعتنا المعروفة في النظرة (الدونية) إلى كل ما هو “محلي” وحتى إن تميز ورقى.
تذكرت كل ذلك، لأن المنطقة نامت نومة أهل الكهف، وعندما أفاقت أخيراً على صوت الملك عبدالله، وهو يتحدث إلى أبنائها حديث الإنسان المدرك لتاريخها وتعثر خطواتها في الماضي، شعر الكل بأن كل شيء أصبح مختلفاً، وأن الحياة سوف تعود إليهم من جديد، وأن أرضهم التي كانت تعرف باسم “سلة خبز المملكة”، سوف تصبح “سلة خير المملكة”، ليس فقط بما عرف عن أرضها من خصب، ومن بحارها من ثراء، فحسب وإنما بما وهبها الله من ثروة بشرية نابهة، وطموحة، ووثابة.
إن المنطقة وإن امتلكت كل مقومات النهضة والتطور والانطلاق، إلا أنها لا تمتلك رساميل كبيرة، غير أن هذا الوضع لا يشكل عقبة أمام تطورها بعد أن فتحت كل الأبواب للاستثمار، ليس فقط من الداخل فحسب، وإنما بمشاركة رأس المال الأجنبي المندفع بقوة للمجيء إليها، والإنفاق على مشاريعه بها، والحصول على فرص الاستثمار في مختلف مجالات الاستثمار المتاحة فيها.
يحدث هذا في الوقت الذي يتردد فيه رأس المال الوطني عن إنفاق “فتات” أمواله، وبقايا فوائده البنكية، وعمولات ودائعه الخارجية بها… بحجج ومبررات ضعيفة.
صحيح أن البنية الأساسية الداعمة للمشروعات الاستثمارية غير كافية. وصحيح أن الميناء البحري الحالي لا يغري بنشاط تصديري كبير، رغم قناعة وزير النقل بكفاءته العالية.
وصحيح أن شبكة الطرق الطويلة من وإلى المنطقة، أو حتى داخلها غير ملبية لاحتياجات الناس، فضلاً عن وفائها بالحاجات المتولدة عن الاستثمار بها.
وصحيح أن المصادر الطبيعية مازالت بكراً، وأن خطط التنمية الثماني السابقة لم تصل إليها حتى الآن.
لكن الأكثر صحة، هو أن ذلك وليس غيره، هو الذي تريده المنطقة من أصحاب الأموال الوطنية، وليس من الدولة فقط، وإن كان المطلوب الشيء الكثير من وزارات الدولة المختلفة: الاتصالات – النقل الزراعة – المياه والكهرباء – الصناعة والتجارة – الشؤون الاجتماعية – العمل – التربية والتعليم – البلديات.
فالاستثمار في الطرق، وفي الكهرباء، وفي المياه المحلاة، وفي الاتصالات، وفي الزراعة، والأسماك، والبيئة…، في منطقة بكر كهذه المنطقة، فوق أنه مساهمة وطنية مطلوبة، فإن عوائده سوف لن تكون “خاسرة” حتى يتردد أثرياؤنا، ولا تشارك بنوكنا ومؤسساتنا المالية وصناديقنا الاستثمارية في التوجه نحوه.
إن حالة الانكماش التي نراها من القطاع الخاص، لا تبدو مبررة بشكل كافٍ، لسبب بسيط هو: أن الشركات العالمية ما كانت لتتعاقد بملايين الدولارات وتأتي إلى المنطقة لو أنها لم تتوسم فيهال الخير، وتتوخى العوائد الضخمة منها.
إننا وبالقدر الذي نحيي فيه هيئة الاستثمار على خططها وبرامجها الطموحة والكبيرة عبر مشروع الملك عبدالله لإقامة المدن الاقتصادية العديدة، واستقطاب رؤوس الأموال إليها، فإننا نتطلع إلى مشاركة رأس المال الوطني قبل غيره في مشاريع هذه المدينة وغيرها.
ومن العيب أن نرى اليابانيين، والماليزيين، والصينيين، والكوريين، يأتون إلينا، ويضخون أموالهم على مشاريعنا، فيما نرى أموال أثريائنا توجه للاستثمار على بعد خطوات معدودة من أراضينا؟!
ولست هنا، أوجه اللوم إلى المستثمر السعودي، وإنما إلى الأسباب والظروف التي تسببت في هجرة آلاف ملايين الريالات إلى الخارج، وإذا كان بعضهم قد شارك في عدد من المشروعات بالداخل، فإن مشاركته تلك جاءت على استحياء، وبأقل القليل من المال.
إن المنطق يقول: إن مشكلات ومعوقات حادة، لا بد وأن تكون موجودة، وبالتالي فإن تدفق رأس المال الوطني إلى الخارج سيستمر.
ولعل من أبرز مظاهره، أن كثيراً من المصانع قد أقفلت، ومن المشروعات الجديدة قد جمدت، والنشاطات التجارية حتى الصغير منها قد توقف، بفعل تلك المعوقات والطلبات التعجيزية، وقفل باب الاستقدام، وشروط الإقراض الصعبة، ومحدودية مصادر الدعم، وتلاشيها.
إن منطقة جازان الواعدة، حتى وإن انتعشت برؤوس الأموال الأجنبية وقبل هذا وذاك بثراء أبنائها، ومصادرها الطبيعية، إلا أنها تظل بحاجة لأن ترى كبار المستثمرين السعوديين وقد أسهموا في نهضتها، لأن أبناءها لا يريدون استمرار شعورهم بالغربة حتى بعد أن عادت الحياة إليهم وإلى منطقتهم.
*ضمير مستتر: …(لا يجتمع اثنان، الشرف واللصوصية، في إنسان واحد)
ـــــــــــــــــــــ
بقلم / هاشم عبده هاشم
جريدة الوطن الاثنين 13 ربيع الآخر 1428هـ الموافق 30 أبريل 2007م العدد (2404) السنة السابعة

